|
من يحاصر غزة؟
من يحاصر غزة؟ ,,, بقلم / رجب أبو سرية
الحدث المؤسف الذي وقع على حدود قطاع غزة مع الشقيقة/ الجارة، مصر، يعيد مجدداً السؤال المتعلق بحصار غزة إلى مبتدئه، وإلى بداهته الأولى، ذلك أن الصخب الذي يحيط بهذا الأمر، يشير إلى سياسة قصديه الهدف منها تحويل البوصلة عن اتجاهها الصحيح باتجاهات خاطئة، هدفها فرض "حقائق" بالقوة والعنف ودون وجه حق.
وبالعودة إلى الملابسات التي أحاطت بالحدث الأخير، الذي وقع أول من أمس، في رفح، والذي لوّحت عبره حركة حماس باستخدام القوة تجاه الجانب المصري، أن كان بفرض الاستمرار بصيغة الأنفاق من تحت الأرض، أو فتح معبر رفح دون المرور لا باتفاقية 2005 ولا عبر المصالحة الداخلية، فانه يمكن القول بأن هذا المدخل لا يعتبر خاطئاً وحسب، بل محاولة لتغيير الوجهة الصحيحة إزاء الطرف أو مجموعة الأطراف التي تفرض الحصار على غزة، والتي من المؤكد ان مصر ليست واحدة منها لا من قريب ولا من بعيد.
فالحدث جاء خلال أقدام مصر على فتح المعبر مدة أربعة أيام من الأحد وحتى الخميس، وهي - أي مصر- أخذت على عاتقها ومنذ وقت أن تفتح المعبر وفق صيغة مؤقتة، بهدف التخفيف من معاناة الناس. وحتى الأنفاق، غضت مصر النظر عنها طويلاً، طالما دخلت من خلالها المواد التموينية، لكن إدخال الأسلحة، التي ومن خلال المراقبة والمتابعة الأمنية، تحدد طبيعتها الهدف من إدخالها - أن كان بهدف إبقاء السيطرة العسكرية داخل القطاع، أو تهديد إسرائيل أو تهديد مصر، يفرض على الأطراف - خاصة مصر- التدخل للحفاظ على سيادتها كدولة وعلى أمنها كنظام.
الجميع يعرف أن الأنفاق أعادت ترتيب البنية الاقتصادية داخل قطاع غزة، وأنتجت طبقة جديدة تعزز حكم العسكر في القطاع، وانه بعد أن عادت معظم المواد التموينية تدخل من المعابر التجارية، باتت وظيفة الأنفاق تشكل عبئاً ليس أمنياً فقط على مصر، ولكن على معظم المواطنين "الغزيين" الذين يتطلعون إلى حكم مدني وإلى نظام أكثر عدالة وانفتاحاً، وأكثر من ذلك إلى إنهاء ملف الانقسام.
بعد ذلك يطرح السؤال المتعلق بجماعات المتضامنين الدوليين، وجوهره لماذا حوّل هؤلاء وجهتهم السابقة التي كانت تمر عبر المياه الإقليمية - مروراً بقبرص أو سواها- وصولاً إلى شواطئ غزة، حيث كانت تواجه الزوارق الحربية الإسرائيلية، ويتبع السؤال تساؤل، أليس في ذلك التحويل تغيير للعنوان؟ من كون إسرائيل هي التي تحاصر غزة، أولاً بالتحكم بالمواد التي تدخل إليها عبر المعابر التجارية، وتقطع صلتها بالضفة الغربية، والأهم تغلق منافذها المائية الممتدة على مدى أكثر من أربعين كيلو متراً من المياه الإقليمية، التي لو لم تكن إسرائيل دولة محتلة للقطاع، لاتصلت غزة بكل العالم الخارجي عبر المياه الإقليمية من خلال البحر الأبيض المتوسط، لذا من الظلم ومن الخطأ الفادح، تحويل مسار التضامن الدولي بهذا الشكل الذي يوحي بأن منفذ غزة الوحيد هو معبر رفح، وان مصر ما لم تقم بفتحه دون قيد أو شرط، تكون بذلك قد تحملت وزر حصاره؟
لإسرائيل مصلحة واضحة وإستراتيجية في دفع الأمور بهذا الاتجاه ألقسري، لكن كيف تتوافق حركة حماس مع هذه الوجهة؟ هذا هو السؤال الإشكالي، الذي لا تدرك معه الحركة أبعاد الاستمرار في هذه السياسة، ولا معنى عدم إقدام السلطة منذ عام 2005، على موافقة إسرائيل باعتبار غزة خارجة من دائرة الاحتلال، وان إسرائيل تحللت من مسؤوليتها تجاهها، بعد انسحابها منها في ذلك العام، حتى لا تصبح غزة في إطار مكانة قانونية/ سياسية مختلفة عن الضفة الغربية، وحتى لا تفقد الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة والقدس كونها ولاية سياسية / جغرافية واحدة.
هذه القوة السياسية التي تديرها إسرائيل منذ وقت والتي تتساوق معها حركة حماس - للأسف- يمكن أن تفرض، في حال نجاحها "دولة غزة" مع أُفق مفتوح يصل إلى حد العريش، لذا فان الأبعاد السياسية لهذه الحالة، تعتبر في غاية الخطورة والتهديد لكلا الطرفين المصري والفلسطيني، وبذلك فان التهديد الأمني الذي تعنيه مصر، وربما لا تصرح به علناً، هو الخشية من أن تصل سياسة دفع قطاع غزة المتواصلة باتجاهها إلى هذه النتيجة.
في السياق فان كل الصخب المرافق لحركة المتضامنين الدوليين والتي تتم بترتيبات مع أصدقاء حماس من إخوان مسلمين وسواهم في أوروبا، لا تصب في هذا الاتجاه فقط، لكنها أيضاً تصرف النظر عن الإجراءات الإسرائيلية في القدس، وفي الضفة الغربية، حيث تعتبر القدس بالذات أولى بالرعاية الدولية من غزة، فضلاً عن أن مثل هذه المحاولات هي من طابع عبثي إلاّ أنها تكشف بعض الزيف والكيل بأكثر من مكيال إزاء إحداث مشابهة، فحين حوصر العراق مدة 13 سنة لم تفتح سورية ولا إيران حدودها لذلك البلد العربي، ضد إرادة واشنطن التي فرضت الحصار عليه بالجو والبر والبحر، وعلى مدار اثني عشر عاماً، لم يصل مواطن سوري واحد لا إلى غزة ولا أريحا، بحجة أنها مناطق حكم ذاتي، بل وما زالت الدولة العربية القومية لا تعترف بجواز سفر السلطة الفلسطينية ولا بإعلان دولة فلسطينية، فهل معنى هذا أن سورية بفنانيها تتضامن مع غزة ولا تفعل الشيء ذاته مع القدس والضفة، وأنها تعترف بكيان غزة الصديق / الشقيق ولا تعترف بدولة فلسطين، تتوالد الأسئلة لأن تشابكات السياسة لم تعد خافية ولا قادرة على مخادعة الفلسطينيين المجربين على مدار العقود التي مضت، لكل أنواعها وأشكالها، لذا يبقى سؤال افتراضي أخير، وهو إذا كانت إسرائيل هي من يفرض الحصار على غزة، منذ أعادت انتشارها منها العام 2005، وبشكل مكثف منذ عملية كرم أبو سالم، - وأسر جلعاد شاليت- وإذا كانت حماس بعدم الانصياع لاستحقاقات إنهاء ملف الانقسام، ولا حتى الموافقة على العمل وفق صيغة 2005 المؤقتة، تطيل أمد الحصار، فان سؤال الحل المنطقي والواقعي بات الآن هو كيفية معالجة هذا الملف إقليمياً، هنا تبدو الإجابة على التساؤلات التي طرحها وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل على الأخ خالد مشعل رئيس حركة حماس، مفتاح الحل، لأن السؤال يجب أن يتحول إلى داخل حماس، إلى أين أنتم ذاهبون؟ وهل ان الانقسام الداخلي وحكم غزة بات خيارهم الوحيد، وبعد أن أقحموا حركتهم في علاقة متوترة داخلياً، يذهبون الآن لتوتير علاقتهم مع جيرانهم العرب، وإلى متى سيبقى الاعتماد على تكتيك فرض رؤاهم وسياساتهم - بالقوة، بدل العودة إلى خيار التعايش الداخلي والتوافق الإقليمي، خاصة مع النظام العربي، الذي تعتبر مصر والسعودية بالذات دعامته الرئيسية؟
|