القدس 5-1-2010 الصريح
مثل أغنياء الحرب، وتجار الأسلحة، يلمع المتحدثون الإعلاميون وسط أجواء الصراعات المسلحة، يتهافت عليهم الصحفيون، يطلب المتحدث منهم ما يشاء من أجر، إذا فكرت قناة إخبارية في استضافته، وفطنت الفصائل الفلسطينية لهذا الأمر، فوسط الجو المتوتر في غزة وأصوات القنابل، والصراخ تروج سلعة المراسل الصحفي أو التلفزيوني، ومن قبلهم مهنة المتحدث الإعلامي للأطراف الرئيسية للصراع، ولم تكتف الحركات بمتحدث واحد، فحماس على سبيل المثال يتحدث باسمها العشرات، وهم منتشرون في كل ركن في غزة ورام الله، والمخيمات، فهناك مثلاً إسماعيل رضوان، ومشير المصري، وفوزي برهوم، ومحمد نزال أيمن طه، وسامي أبو زهري، وأسامة حمدان،و صلاح البردويل.
ومع تعدد الأسماء يتصور الصحفي أن مهمته في استكمال قصة، أو التعليق على خبر، يسيرة للغاية، لكن العكس هو الصحيح، فطالما ابتعدت الكاميرا، أصبحت المهمة شبه مستحيلة، وأي منهم لم تعد تهمه الصورة الصحفية، والجمل المسطورة، فالأضواء فضائية، والشهرة كذلك وقبلهما أوراق البنكنوت.
ويقول احد الصحفيين ‘عشية أزمة الانشاءات الهندسية التي تقوم بها مصر كنت على موعد لاستكمال قصة عن التأثيرات السلبية التي تراها حماس كان علي أن أتحدث للمكتب الإعلامي لخالد مشعل في دمشق، وهناك رد أحد أفراد الطاقم، وبعد علمه بالأمر، أحالني إلى آخر، ثم أعطاني هذا الآخر رقم هاتف للمنسق الإعلامي لمشعل، ومع تكرار رنات الهاتف لم يرد الرجل، ولم لا والرقم البادي على شاشته آتٍ من مصر، ولم يظهر المفتاح ما يفيد أن المتحدث قطري أو إيراني، حولت الاتجاه إلى غزة، وكان فوزي برهوم المتحدث باسم حماس هو مقصدي، وقد ضبط هاتفه على غناء ديني، خالٍ من الموسيقى، رد الرجل بعد تكرار المحاولة، وبعد تقديمي صفتي الصحفية، وطلب التعليق على الموضوع، بدا مرتبكاً وطلب تأجيل الحوار الهاتفي لنصف ساعة لأنه يقود سيارته، التزمت برغبته، وبعد نصف الساعة تكرر النداء ومعه رنين الهاتف بأناشيده الدينية، وتحولت النصف ساعة إلى ما يقرب الساعتين، إلى أن اضطر برهوم إلى إغلاق هاتفه، ثم تكرر الموقف مع مشير المصري، وصلاح البردويل، وأيمن طه، وأبو زهري، فغيرت الوجهة إلى بيروت، وهناك تلقى أسامة حمدان المكالمة والسؤال واسم الجهة الصحفية، ثم طلب تأجيل الرد إلى ربع الساعة، وقد كان، لكن مصير مكالمته كانت كمصير سابقيه، رنين وأناشيد ‘دينية‘ ‘رنجتون‘، ثم صمت متواصل، وبعد عشرات المحاولات والردود المقتضبة التي تطلب التأجيل، كان قد مضى ما يقرب من الساعتين، إلى أن استجاب إسماعيل رضوان.
قد يرى متحدثو حركة حماس في الأمر خسارة بلغة الأرقام مقارنة بدقائق على الجزيرة أو mbc أو العربية، أو الفضائيات الدولية، وبلغة الشهرة أيضاً لن تضيف إليهم الصحيفة كثيراً، بعد إدمانهم فلاشات الفضائيات في مؤتمراتهم الصحافية، و‘رصة‘ الميكروفونات أمامهم على المنابر، لكنهم يقدمون أنفسهم كوجوه أخلاقية تعمل في السياسة، يحرصون على ترك اللحى، والبدء بالتسبيح، واعتبار ما يقدمون عليه عملاً جهادياً يدخلهم الجنة، حتى لو كان الخصم فلسطينياً، وبالتالي فالكذب ليس من صفات الأخلاقيين، حتى لو كان فرصة للهرب نظير انشغال أو القيام بأعمال أكثر أهمية.
لكن ربما حلل بعضهم ‘الكذب الأبيض‘ باعتباره إثماً بسيطاً، يتجنبون به ضرراً أكبر، لو تورطوا في أحاديث تتنافى توقيتاتها مع مصالحهم!! وهو منطق يحكم بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أيضاً، وهي الشجرة الأم لحماس، فقبيل ما يقرب من ثلاث سنوات، أجرى زميل من جريدة ‘الحياة‘ حواراً هاتفياً مع قيادي إخواني شهير، كان سبباً في أزمة كبيرة في الجماعة خلال الشهرين الماضيين، ووقتها أسر له القيادي أن الإخوان على استعداد للاعتراف بإسرائيل، في حالة حدوث سلام عادل، وكتب الزميل التصريح فرحاً بالسبق، وكانت الثقة بينه وبين القيادي تمنعه من التفكير في إمكانية تراجعه عن تصريحاته، أثار التصريح ضجة بعد النشر، ثم فوجيء الزميل بنفي هذا القيادي لحديثه، متهماً الصحفي بأنه ألَّف ما حدث، أجريت تحقيقات مع العضو داخل الجماعة، وقيل إن حديثه كان سبباً في حرمانه من دخول مكتب الإرشاد لسنوات، بينما ندم الصحفي كثيراً على ثقته في الإخواني، وهي الثقة التي منعته من تسجيل الحديث.
متحدثو حماس عشاق الفضائيات، يكرهون الصحافة، فقط يحبونها في دقائق معدودة، في لحظات يحددونها هم، حولوا غزة إلى ‘مكلمة‘ فضائية، وهو الأمر الذي يهدد بأزمة كبرى لو هدأت الأمور هناك.. فوقتها سيكون التحدي الأعظم أمام الفلسطينيين سؤال ملح: ماذا سيعمل هؤلاء ومن أين سينفقون على بيوتهم !!